مشاهدة النسخة كاملة : إلى ش \ سعد شايم مع التحية ،،،
@ السلفي @
23-06-06, 06:07 PM
سؤاااااال يريد من يجيب عليه !
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : " ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة ، إذا قال قولاً يكون القول به كفراً ، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر ، لكن الشخص المعين إذا قال ذالك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وهذه في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس 000 وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية ، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله " 0
أرجوا توضيح كلام الشيخ رحمه الله : وشكراً لكم 0
@ السلفي @
سعد الحضيري
25-06-06, 06:13 PM
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ السلفي: عذراً عن التأخر عن الجواب لأنني كنت مسافراً ولم أطلع على السؤال إلا اليوم (الأحد 29/5/1427هـ)
وأما الجواب وبالله التوفيق فإن هذا الكلام من الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله جاء في سياق بيان مسألة مهمة وهي مسألة قيام الحجة على من وقع في الشرك، هل يكفي فيه التنبيه وذكر الأدلة، أو لا بد من فهم ذلك وإزالة الشبهة في جميع أنواع المسائل خفيها وجليها؟ وليست المسألة في التكفير عموماً، بالرجوع للسياق مع معرفة منهج الشيخ رحمه الله من خلال كتبه وفتاويه وفتاوى أصحابه وأبنائه يتبين المقصود.
أما الكلام السابق الذكر فإنه جاء في سياق كتاب (رسالة) للشيخ قال رحمه الله فيها:
((بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخوان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛ وبعد: ما ذكرتم من قول الشيخ [يعني ابن تيمية]: (كل من جحد كذا وكذا وقامت عليه الحجة). وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة فهذا من العجب كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مراراً، فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف ؛ وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى : ((أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)) وقيام الحجة نوع، وبلغوها نوع وقد قامت عليهم وفهمهم إياها نوع آخر وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها. إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله : صلى الله عليه وسلم في الخوارج ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم)) وقوله : ((شر قتلى تحت أديم السماء)) مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم يطيعون الله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها، وكذلك قتل علي رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة مع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم وهم يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية وغيرهم مع علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا. إذا علمتم ذلك فإن هذا الذي أنتم فيه كفر، الناس يعبدون الطواغيت ويعادون دين الإسلام فيزعمون أنه ليس ردة لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بين، وأظهر مما تقدم الذين حرقهم علي فإنه يشابه هذا، وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم فإن كان معكم بعض الإشكال فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم والسلام)). اهـ
وهذه المسألة أعني مسألة العذر بالجهل وقيام الحجة تكلم فيها أهل العلم كثيراً فمنهم من فرق بين المسائل الظاهرة الجلية المعلومة من الدين بالضرورة، والمسائل الخفية التي تخفى على عامة الناس، وأنه لا يشترط في الظاهر قيام الحجة لمن كان مع المسلمين ويقرأ القرآن ويسمع أهل العلم . ويشترط في الخفية قيام الحجة. وأما فهم الحجة فهذا شيء آخر، ليس هو قيامها كما بين الشيخ رحمه الله فيما تقدم إيراده.
وذهب بعض العلماء إلى عدم التفريق بين المسائل وأن كل من جهل شيئاً من الدين عذر بجهله لعموم قوله تعالى: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).
وكلا القولين ينسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية والله أعلم.
لكن بقي أمر لابد من بيانه وهو ما أظن أن السائل أورد السؤال لأجله، وهو هل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يكفر المعين؟ وما ضابط ذلك؟
وهذا أمر مهم والشيخ رحمه الله لا يخرج في هذا الباب عن منهاج أهل السنة والجماعة وما جرى عليه السلف الصالح رحمهم الله، وأتباعه ساروا على نهجه في ذلك، وقد جمعت في ذلك رسالة كبيرة سميتها (ضوابط التكفير- مجموع فيه فصول وقواعد وضوابط من كلام أئمة الدعوة السلفية شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذهم)، وجمعت رسالة أخرى بعنوان: (تبرئة الشيخين الإمام من التهمة بمذهب الخوارج المارقين).
وسأذكر مختارات من ذلك إن شاء الله في مناسبات متلاحقة .
ومن ذلك:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب :وأما يذكره الأعداء عني ،أني أكفر بالظن وبالموالاة ،أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة ، فهذا بهتان عظيم ، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم" اهـ من الدرر السنية 10/113.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في بيان طريقة السلف وطريقة جده الإمام محمد بن عبد الوهاب:
"لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه ،من العبادات والإلهية وهذا : مجمع عليه أهل العلم والإيمان"اهـ من الدرر السنية 1/467.
وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله في سياق تقرير العقيدة وبيان دعوتهم السلفية: "فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له : يلزم من تقريركم، وقطعكم في أن من قال يا رسول الله، أسألك الشفاعة : أنه مشرك مهدر الدم ؛ أن يقال بكفر غالب الأمة ، ولا سيما المتأخرين، لتصريح علمائهم المعتبرين : أن ذلك مندوب، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك !
قلت : لا يلزم، لأن لازم المذهب ليس بمذهب، كما هو مقرر، ومثل ذلك : لا يلزم أن نكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو، كما ورد الحديث بذلك .
ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت ؛ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبراً معانداً ، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر، المحرمات ؛ وغير الغالب : إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون، لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعاً ؛ ومن شن الغارة فقط غلط ؛ ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر، وفي غير ذلك يعرف ذلك في سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع، ونبينا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، سار فيهم نوره، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط.
فإن قلت : هذا فيمن ذهل، فلما نبه انبته، فما القول فيمن حرر الأدلة ؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة ؟ واستمر مصراً على ذلك حتى مات ؟ قلت : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول : إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطىء، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسان وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه المحبة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين : التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأساً ؛ ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه ؛ ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم.
هذا : وقد رأى معاوية وأصحابه – رضى الله عنهم- منابذة أمير المؤمنين علي أبي طالب رضي الله عنه، وقتال، ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعاً، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد، وان كانوا مخطئين، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة .
ونحن كذلك : لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئاً في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها ؛ ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين ."اهـ من الدرر السنية 1/234-236.
ولعل في هذا كفاية وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وهناك كلام محرر في مسألة العذر بالجهل والتكفير للشيخ ابن عثيمين في شرح كشف الشبهات سأنقله لاحقاً إن شاء الله .
ابومعاذ
25-06-06, 06:33 PM
بارك الله فيك يا شيخ
أبودجانة
26-06-06, 02:50 AM
بارك الله فيك يا شيخ/ سعد
ونفع الله بعلمك جميع المســـلمين
@ السلفي @
26-06-06, 05:15 AM
الف الحمد لله على السلامه يا شيخ
واجابه وافيه وكافيه 0
القاعده هذه وجدتها في كتاب نواقض الايمان القولية والعمليه للـ د / عبد العزيز العبداللطيف ولكن لم افهم شرحها في الكتاب والان فهمتها ولله الحمد 0
جزاك الله خير فضيلة الشيخ 0
@ السلفي @
مرشد الصقري
26-06-06, 07:17 AM
بارك الله فيك يا شيخ/ سعد
سعد الحضيري
27-06-06, 09:52 PM
وفقكم الله جميعاً
وهذا كلام الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في شرحه على كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي وعدت به
قال رحمه الله : ((لا أظن الشيخ [يعنى محمد بن عبد الوهاب]رحمه الله لا يرى العذر بالجهل اللهم إلا أن يكون منه تفريط بترك التعلم مثل أن يسمع بالحق فلا يلتفت إليه ولا يتعلم، فهذا لا يعذر بالجهل وإنما لا أظن ذلك من الشيخ لأن له كلاماً آخر يدل على العذر بالجهل فقد سئل رحمه الله تعالى عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به ؟ فأجاب:
أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان.
وأيضاً : نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع.
النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس: أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه ، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه ، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول، فلم يتبعه ، وعرف الشرك فلم يتركه ، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.
النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)[ سورة البقرة، الآية : 89] وهو ممن قال الله فيه : (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) [ سورة التوبة: الآية: 12 ] .
النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضاً كافر، فيه قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) [ سورة محمد، الآية: 9] .
النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، ويسعون في قتالهم، ويتعذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضاً كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير، فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيهم: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) إلى قوله: (سلطاناً مبيناً) [ سورة النساء، الآية: 91] فهذا الذي نقول.
وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟! (سبحانك هذا بهتان عظيم) [ سورة النور، الآية: 16].
بل نكفر تلك الأنواع الأربعة، لأجل محادتهم لله ورسوله، فرحم الله امرأً نظر نفسه، وعرف أنه ملاق الله، الذي عنده الجنة والنار، وصلى الله على محمد وآله، وصحبه، وسلم.
تتمة:
الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافاً لفظياً في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين، أي إن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضي في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المتقضيات، أو وجود بعض الموانع. وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:
الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن ديناً يخالف ما هو عليه فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله تعالى والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله عز وجل والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب لقوله تعالى: (ولا يظلم ربك أحداً).
وإنما قلنا : تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر، لأنه لا يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطى حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه : " طريق الهجرتين " عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة.
النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهراً، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل. وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم.
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون). وقوله: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة
بعد الرسل)، وقوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء). وقوله : (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون). وقوله: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون . أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين . أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدىً ورحمة) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان.
وأما السنة: ففي صحيح مسلم 1/134 عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة (يعني أمة الدعوة) يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" .
وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني 8/131: " فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 3 / 229 مجموع ابن قاسم : " إني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله تعالى قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال
السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية إلى أن قال : وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين إلى أن قال: والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول، صلى الله عليه وسلم، لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً " أ. هـ . وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب 1/ 56 من الدرر السنية: " وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره " . وفي ص 66 : " وأما الكذب والبهتان فقولهم : إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل " أهـ.
وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى ولطفه ورأفته، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل.
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما:افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله تعالى فهو كمن حرم ما أحل الله، لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه.
وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما " . وفي رواية: "إن كان كما قال وإلا رجعت عليه" . وله من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال: " ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو: الله وليس كذلك إلا حار عليه". يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر: " إن كان كما قال " يعني في حكم الله تعالى وكذلك قوله في حديث أبي ذر: " وليس كذلك " يعني في حكم الله تعالى.
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئاً منه ، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به ، لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجباً بعمله محتقراً لغيره فيكون جامعاً بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار" .
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
الأمر الأول : دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى : ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ( [ سورة النساء، الآية: 115 ] . فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له.
ولكن هل يشترط أن يكون عالماً بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالماً بالمخالفة وإن كان جاهلاً بما يترتب عليها؟
الجواب: الثاني، أي إن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما تقتضيه لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعلمه بالمخالفة مع جهله بالكفارة، ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنى يرجم وإن كان جاهلاً بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالماً ما زنى.
ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفر لقوله تعالى : (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [ سورة النحل، الآية: 106 ] .
ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف ونحو ذلك . لقوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً) [ سورة الأحزاب، الآية: 5]. وفي صحيح مسلم 2104 عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
ومن الموانع أيضاً أن يكون له شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق، لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلاً في قوله تعالى : (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) [ سورة الأحزاب، الآية: 5 ]. ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلاً في قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [ سورة البقرة، الآية: 286 ] قال في المغني 8/131 : " وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك يعني يكون كافراً وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى إلى أن قال: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا " . وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/30 مجموع ابن القاسم: " و بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه ، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص 210 منه : " فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم.. وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم ، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن " . وقال أيضاً 28/518 من المجموع المذكور : " فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين " لكنه ذكر في 7/217 " أنه لم يكن في الصحابة
من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع". وفي 28/518 " أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره". وفي 3/282 قال: " والخوارج المارقون الذين أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين ، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم على حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص، والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه". إلى إن قال: "وإذا كان المسلم متأولاً في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك" إلى أن قال في ص288 : "وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره .. والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). وقوله: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل). وفي الصحيحين عن النبي، صلى الله عليه وسلم: "ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين".
والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم.)) انتهى كلام الشيخ ابن عثيمين.
فهد البجيدي
05-07-06, 07:23 PM
بارك الله فيك ياشيخ ونفعنا بعلمك
@ السلفي @
19-07-06, 04:29 AM
جزاك الله خير يا شيخ
هاوي تصميم
20-07-06, 07:34 AM
بارك الله فيك ياشيخ ابو ابراهيم ، ونفع بعلمك الإسلام والمسلمين
أبو زياد الجوفي
27-07-06, 04:57 AM
بارك الله فيك ياشيخ
ونفع بك
ويعلم الله كم مشتاقون لرؤيتكم
سلطان العنزي
06-03-08, 06:04 PM
السلام عليكم ياشيخ ابو ابراهيم
ما حكم من امسك المصحف وهو بدون وضوء وقرائه ولو انه كان في مدرسة ثم الزمه المدرس على مسك المصحف الجواب حفظك الله
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.7.2
bdr130.net